
صرح المحامي رياض الصانع رئيس الائتلاف المدني الكويتي أن الصراع ما بين المطالبين والداعين الى الرجوع للدولة الدينية لا يزال مستمرا بالرغم من أن أكثر دول العالم قد تجاوزت هذا النقاش بل وأقبرته بأسس الدولة المدنية ، التي لا تحارب الأديان بل تستوعبها في نطاق ديمقراطي يمكن كل مواطني الدولة من ممارسة شعائرهم وعباداتهم بكل حرية وارادة حرة ، تحت سقف القانون الضامن الأوحد لتنظيم الحقوق والواجبات.
كما أن الدستور الكويتي قد حرص على أن تكون عملية التعاقد مدنية بامتياز ، في تأسيسه لأركان الدولة وصلاحيات السلطة القضائية بأن ما يحاول احياءه بعض النواب من طلب تعديل المادة 79 من الدستور بأن تنص المادة بعد التعديل على عدم جواز اصدار قوانين تخالف الشريعة الاسلامية حيث لاقى هذا الطلب استجابة 26 عصوا وقعوا على طلب التعديل وان كانت الحماسة قد اخذت مجراها في الاستجابة للطلب ، فان عقد التعديل يتعارض مع دستور الكويت ، الذي نص في المادة (49) على أن “الناس سواسية في الكرامة الانسانية ، وهم متساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة ، لا تمييز بينهم بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين” والمادة (35) بأن “حرية الاعتقاد مطلقة وتحيي الدولة حرية القيام بشعائر الاديان طبقا للعادات المرعية …” كما أن الطعن امام المحكمة الدستورية بابطال التعديل سوف تتجاوب معه لأنه غير قانوني وغير مدروس ، حيث سيعطي لاعضاء مجلس الامة السلطة المطلقة في تقديم القوانين المتوافقة مع الشريعة الاسلامية من غيرها ، وكأنهم اصبحوا أوصياء على المسلين في دينهم يقررون بدلا عنهم الحلال والحرام ، والممنوع والمباح ، وهو ما يخالف روح الدين الاسلامي نفسه ، فحتى ان مر التعديل ففي اي تفسير من التفسيرات الفقهية لامور الحياة والمعاملات سوف يعتمد النواب ، وهل يجوز الغاء فئة من المجتمع تؤممن بمذهب آخر ، وان كان هذا ضريبة الديمقراطية ، الا يعد في نفس الوقت اجحاف على حريات العباد في ممارستهم الدينية واعتقاداتهم الراسخة .
فالدولة المدنية ليست وليدة اليوم ، بل تبلورت عبر اسهامات عديدة في مختلف فروع العلوم الاجتماعية والانسانية ، وكانت الحل الاوحد ضد التجبر والطغيان ، فروح الدولة المدنية تتسم بالتسامح والعدل والتعاون من أجل العيش المشترك ، حيث تتمد قواعدها على عدم اعتداء الناس على بعضهم البعض من خلال تأسيس اجهزة سياسية وقانونية خارجة عن تأثير القوة والنزاعات الفردية والمذهبية ، وتستطيع أن تنظم الحياة العامة وتحيي الملكية الخاصة ، وتنظم شؤون التعاقد وأن تطبق القانون على الجميع بصرف النظر عن مكانتهم وانتماءاتهم.
فالدولة المدنية تنبع من اجماع الأمة وارادتها الحرة والمستقلة ، وبناء عليه فهي تتخذ عدة اوصاف كدولة القانون ودولة المؤسسات ودولة الاخاء والتسامح ، من قبول للآخر والمساواة في الحقوق والواجبات ، والثقة في عمليات التعاقد والتبادل المختلفة ، ولعل هذه القيم مجتمعة هي ما يطلق عليها الثقافة المدنية التي تتأسس على مبدأ الاتفاق والنظام وليس الفوضى ، والسلام وليس العنف ، والعيش المشترك وليس الأنانية الفردية ، والقيم الجماعية وليس القيم الفردية والنزعات العرقية والطائفية والمذهبية والقبلية.
كما أنه من شروط الوصول الى دولة المواطنة وجود دولة مدنية يكون فيها الفرد مواطن بامتياز لا يُعرَف بمهنته أو دينه أو اقليميته أو أصله أو ماله أو سلطته ، وإنما يُعرَف تعريفا قانونيا اجتماعيا بأنه مواطن له حقوق وعليه واجبات ويتساوى مع مختلف فئات المجتمع وهنا تبرز قيمة العدل والمساواة.
كما تعتد الدولة المدنية على الديمقراطية كأسلوب حضاري لتداول السلطة ، وهو ما يمنع أن تؤخذ الدولة غصبا من خلال فرد او نخبة او عائلة أو نزعة أو ايديولوجية أو طائفية أو مذهبية حيث تتيح الديمقراطية الفرصة للتنافس الحر والخلاق بين مختلف الافكار السياسية حيث لا يوجد إقصاء لأي طرح.
ومن أجل ضمان الصالح العام وتكريس مبدأي التعايش والسلام ، فالدولة المدنية لا تتأسس بخلط الدين بالسياسة فالدين يظل في الدولة المدنية عاملاً أساسياً في بناء الأخلاق والعمل والانجاز والتقدم والباعث نحو تنمية الأخلاق والاستقامة والالتزام ، وعليه فالدولة المدنية تحافظ على جوهر الدين وتضمن ممارسته ، ولا تعاديه أو تحاربه كما يروج لذلك أصحاب الفهم القاصر ، فما ترفضه الدولة المدنية هو استغلال الدين لتمرير خطابات سياسية خصوصا مع تشعب التفسيرات وتعددها وكثرة المذاهب والطوائف.
كما أن القول بأن الكويت دولة مدنية يعتبره البعض هو مخالفة للشريعة ، فذلك ناتج فقط عن خطأ في الفهم والتحليل والقراءة السليمة للتراث الإسلامي ، فالشريعة الاسلامية هي أول من وضعت الأسس المدنية في المعاملات والعلاقات ما بين الناس ، والأثر الاسلامي يزخر بالشواهد على ذلك خصوصاً فيما يتعلق بأمور التعايش والسلام والإخاء ، الذي ترفضه حالياً التفسيرات المتطرفة.
وعليه فالنقاش الدائر حاليا حول الدعوة لتطبيق الشريعة لن يفيد الدولة بقدر ما يضرها أكثر لأن هذا النقاش خارج السياق التاريخي وإقرار ذلك لن ينتهي إلا إلى أفغانستان جديدة ، فالدين لله والوطن للجميع.

