
قام المحاميان فهد البصمان وفهد الحـداد بإعداد دراسة حول قانونيّ الجنسية والدائرة الإدارية جاءت كالتالي:
في ضوء ما يثار حول تعديل قانون الجنسية ومرسوم إنشاء الدائرة الإدارية، ولعل أغلب الجدل الحاصل والأطروحات المتداولة نابعة من أساس سياسي في “الغالب” وبعيدة كل البعد عن المفاهيم والمبادئ الدستورية رغم أن هذه القواعد والمبادئ الدستورية هي من لها القول الفصل في هذا الموضوع وهي التي من المفترض أن نلجئ لها لإيجاد الحل الذي لا يتعارض معها حفاظاً على سمو الدستور واحتراماً لقواعدة لما يمثله من ضمانات للأفراد حافظاً لحقوقهم ومنظماً لواجباتهم ومنظماً لأعمال السلطات واضعاً لكل سلطلة من السلطات الثلاث إطار تعمل خلاله لتحقيق المصلحه العامة .
وبعيداً عن الانحياز والعواطف التي قد ينجر معها من يستميله هواه السياسي سواء كانت إيجابياً أم سلبياً سوف نطرح الرأي القانوني الصِرف بعيداً عن مجاملات السياسية وذلك على عدة محاور في كلاً منها رد على حجة من الحجج المطروحة بخصوص بسط رقابة القضاء على مسائل الجنسية ولعل أهما فكرة أعمال السيادة .
1
أولاً : مدى توافق التعديل والدستور :-
تنص المادة ” 166″ من الدستور على أن :
“حق التقاضي مكفول للناس ، ويبين القانون الإجراءات والأوضاع اللازمة لممارسة هذا الحق “.
لا شك أن حق التقاضي هو أحد الحقوق المهمة ولعله الأهم للإنسان فالقضاء ملجئ المظلوم ومنبر العدل وبالعدل يرسخ شعور الأمن والطمأنينة والرضا في نفوس الأفراد وقد راعى الدستور ذلك حيث كفل حق التقاضي للناس جميعاً وجعل للمشرع حق التنظيم لا التقيد المانع من ممارسة هذا الحق .
وبمراجعة التعديلات المطروحه على قانون الجنسية والمرسوم بقانون الخاص بإنشاء الدائرة الإدارية نجد أن جملة هذه التعديلات تهدف إلى تمكين الأفراد من اللجوء إلى القضاء في مسألة من مسائل الجنسية ، بغض النظر عن إختلاف هذه التعديلات ، وفي هذه التعديلات نجد أيضاً محاولة لتطبيق حكم الدستور الذي كفل للأفراد حق التقاضي ، وعلى ذلك فلا مخالفة دستورية إن مكن المشرع الأفراد المتضررين من القرارات المتعلقة بالجنسية من اللجوء للقضاء وقد يكون الجميع متفق مع هذا المبدء .
وفي ذلك استكمال لتطبيق نصوص الدستور وإعلاء لسيادته وسموه.
2
ثانياً : نظرية أعمال السيادة والتعديلات على القانونين :-
لعل أكثر ما يتردد على ألسنة الناس المعارضين لتعديل قانون الجنسية وقانون الدائرة الإدارية بشأن منح القضاء السلطة في الرقابة على مسائل الجنسية ، هي نظرية أعمال السيادة ، وهذه النظرية أو الفكرة ليست في الحقيقة من الدستور في شيء ولكن جاءت في قانون تنظيم القضاء دون تعريف مما يترك للقضاء الحق في تعيين مفهوم هذه الأعمال ،
وهذه الفكرة القديمة تقوم على أساس تقسيم أعمال السلطة التنفيذية إلى قسمين الأول منها الأعمال التي تقوم بها بصفتها سلطة إدارة وتخضع هذه الأعمال لرقابة القضاء ، أما القسم الآخر والأخير منها هي الأعمال التي تمارسها السلطة التنفيذية “الحكومة” باعتبارها سلطة حكم وهذه الأعمال هي التي تتستر بعباءة أعمال السيادة مما يخرجها عن إطار رقابة القضاء .
وانطلاق هذه النظرية منذ نشأتها لم يكن بهدف حماية الحقوق وتنظيم الالتزامات وإنما جاءت بأساس سياسي بحت يطلق يد السلطة لتعمل بعيداً عن رقابة القضاء في بعض الأمور اعتقاداً بأن هذه الأعمال يجب أن لا تخضع للرقابة !
3
وتجدر الإشارة إلى أن هذه النظرية ابتدعت من قِبل مجلس الدولة الفرنسي عقب سقوط “نابليون بونابرت” ورجوع النظام الملكي وقد استشعر أعضاء مجلس الدولة الفرنسي آنذاك أن النظام الملكي الجديد لا يتقبل وجودهم لاسيما وأنهم يراقبون جميع أعمال السلطة والتي يباشرها الملك ولجأ أعضاء مجلس الدولة إلى ابتداع هذه النظرية حتى يتصالحوا والنظام الملكي وأن يتيحوا له مساحة يمارس خلالها أعماله دون رقابة منهم عليها ، ومن هذا التاريخ يتضح أن نشأت هذه الفكرة أساساً ليست على أساس قانوني أو سياسي يحقق مصلحة للمجتمع بل على أساس سياسي يعطي للسلطة التنفيذية الحق في مخالفة القانون والدستور دون رقابة أو رادع متسترة بعباءة أعمال السيادة .
والأصل أن جميع الأعمال التي تباشرها جميع السلطات يجب أن تخضع لرقابة القضاء فلا ملجئ لأي متضرر من أي أمر كان سوى محراب العدالة فلا تتملص السلطة من المسئولية بحجة أعمال السيادة.
لاسيما وأن قضاءنا الكويتي في أحكامه الأخيرة بسط رقابته على مراسيم حل مجلس الأمة وأبطل بعضها وأبطل بعض الإتفاقيات مثل إتفاقية الجمرك الخليجي، وعلى تراخيص الصحف فأصبحت شمس القضاء تشرق على بقاعٍ أوسع مما كانت تشرق عليه وذلك مبعث للفخر حين يسود القانون والدستور وكذلك مبعث للطمأنينة لكل فرد ولم يتبقى سوى مسائل قليلة مُنع القضاء من نظرها في مرسوم إنشاء الدائرة الإدارية ولعل أهمها مسائل الجنسية، .
4
وكما أن البعض يرى بأن الدول لها السيادة في المنح فقط دون الإسقاط و السحب وهذا الأمر مردود عليه أيضاً ورده يكمن بالبحث عن أساسة فلا أساس قانوني له سوى الاعتبارات السياسية وقد يكون من طرح هذا الرأي يريد أوسط الحلول مع السلطة التنفيذية حتى تمرر هذا التعديل .
ويحتج البعض الآخر بأن منح القضاء سلطة الرقابة على المنح والسحب قد يغرق القضاء بسيل من الدعاوى بخصوص ( المنح ) من المقيمين بصورة غير شرعية “البدون” وهذه الحجة أيضاً مردود عليها حيث يمكن إنشاء دائرة خاصة تنظر في مسائل الجنسية أو فرض الكفالة مالية كما هي قانون الطعن المباشر أمام المحكمة الدستورية مع تحفظنا عليه , وبنهاية المطاف فالقضاء أجدر من الحكومة بالفصل بهذه المنازعات المتعلقة بأحقية البعض منهم وعدم أحقيتهم ولعل القضاء يحل هذه المشكلة الكبيرة والتي تتفاقم يوماً بعد يوم ويصلح ما أفسده السياسيين .
وكما بيناً سلفاً أن الدستور لم يتطرق لفكرة أعمال السيادة مطلقاً وأنها وردت في قانون تنظيم القضاء كما أنه لم يعرف هذه الأعمال وترك ذلك لتقدير القضاء .
5
وفي حقيقة الأمر إن ما يمنع القضاء من الفصل في مسائل الجنسية ليس فكرة أعمال السيادة بل هو المانع القانون الذي جاء في نص المادة ( 1 ) من المرسوم بقانون رقم (20 لسنة 1981) الخاص بإنشاء الدائرة الإدارية وهذا هو المسمى القانوني الصحيح له مانع قانوني ، حيث يمنع المحكمة من نظر هذه المسائل المتعلقة بالجنسية , إلا أن القضاء قد فصل ببعض المسائل وضيق حدود هذا النص وبسط رقابته على بعض المسائل المتعلقة بالجنسية.
ثالثاً : الرقابة القضائية السابقة واللاحقة على مسائل الجنسية :-
أختلف الكثيرون على مسألة الرقابة من حيث أن تكون سابقة أي لا يمكن إسقاط الجنسية أو سحبها إلا بحكم قضائي ، أم أن تكون لاحقة حيث يلجئ المتضرر من القرار الإداري للقضاء ليفصل في أمره.
وأصحاب الرأي الأول يرون أن الرقابة لا بد أن تكون سابقة حيث أن مسألة سحب أو إسقاط الجنسية من المسائل الخطيرة ويترتب عليها من الأثار ما لا يمكن تداركه على هذا الشخص حين يكون بلا هوية ويفقد عمله وقد يفقد مسكنه والكثير من الأمور الأساسية لحياته ، وحيث أنه إن يلجئ المتضرر للقضاء فقد يستغرق الفصل في موضوعه سنوات وقد يكون الحكم لصالحه في النهاية وحينها يصعب تدارك ما قد يكون حدث له.
6
لذلك يرى أصحاب هذا الرأي أن الرقابة السابقة هي الطريق الأفضل والذي يشكل حماية للأفراد والمجتمع .
وقابل هذا الرأي رأي آخر ضد يرى بأن الرقابة السابقة تشكل تعدي على السلطة التنفيذية ومخالفة للمادة ( 50 ) من الدستور والتي تنص على الفصل بين السلطات وان رقابة القضاء السابقة تضع حكم القضاء بالإسقاط أو السحب بمثابة قرار إداري .
لذا يجب أن تكون الرقابة لاحقة لا سابقة حتى لا تصطدم والدستور .
ونحن ممن يؤيد أصحاب الرأي الثاني في أن تكون الرقابة لاحقة ولكن يجب أن يعالج الرأي الثاني مسألة الأضرار التي قد يتسبب بها القرار على الأفراد لحين الفصل في منازعاتهم .
ونرى أن علاج هذه المسألة يكون من خلال إضافة نص قانوني جديد يوقف تنفيذ القرار الخاص بسحب أو إسقاط الجنسية عن الأفراد بمجرد التظلم منه ولحين صدور حكم نهائي بموضوع التظلم .
وبذلك لا نضع حكم القضاء بمثابة القرار الإداري ، كما يحتج أصحاب الرأي ونوفر الضمانة التي ينشدها أصحاب الرأي الأول مؤيدي الرقابة السابقة .
7
الــخِـتــام
لعل السيادة الأهم الواجب حمايتها والحرص عليها هي سيادة الدستور والقانون ، فإن بسط القضاء العادل رقابته على أعمال السلطة تحقق العدل ، وأن الأعمال التي تقوم بها السلطة التنفيذية تحت مسمى أعمال السيادة ليست إلا أعمال بعيدة عن الدستور والقانون وتريد السلطة كف يد القضاء عن مراقبتها في هذه الأعمال .
وأن رقابة القضاء على مسائل الجنسية أمر آتي لا محالة ورقابته أيضاً على جميع أعمال السلطة التنفيذية، والأعمال التي تسمى بأعمال السيادة تتقلص يوماً بعد يوم حتى يسود القانون برقابة القضاء ، وأن كان أصحاب النظرية ” الفرنسيون ” تركوها وتقدموا فساد القانون وأصبح للقضاء القول الفصل بينهم كأفراد أو أفراد وسلطات وحققوا التقدم نتيجة للطمأنينة التي يوفرها العدل وسيادة القانون على الكل, إلا أننا لازلنا نتحدث عن هذه النظرية ونتمسك بها!

